الرحلة رقم 7313
كتبهاanas113 ، في 22 أبريل 2006 الساعة: 19:37 م
صعدت الى سيارة صديقي أبوسمعو، تلك السيارة البيضاء الصغيرة ذات القلب الكبير، ليقلني الى المطار، كان يوماً من أيام الجمعة تلك، التي غالباً ما تكون مملةً و ثقيلةً في انتظار يوم السبت القادم والذي هو بداية الاسبوع وبداية العمل.
انطلق أبوسمعو في طريقه مسرعاً، تقبع في يده اليسرى سيجارة، اخذ يرمي برمادها بين الحينة والاخرى من نافذته، وأخذ يتجاذب معي اطراف الحديث، حول هذه الرحلة التي لا بد منها.
وصلنا الى مطار دبي قبل موعد الطائرة بحوالي 55 دقيقة، وتركت صديقي أبوسمعو وقد تمنى لي سفرةً سعيدةً وعودةً بالسلامة، شكرته وتوجهة الى ميزان المطار و وضعت حقيبتي الصغيرة على جهاز كشف المستور ومرت منه حقيبتي بسلام، توجهت الى الموظف المسؤول عن رحلتي فأخبرني بأن البوابة قد أغلقت من عشرة دقائق، تفاجأت للوهلة الاولى …. رمقته بنظرة المحتار والمتسائل كأنني أقول له: أتتكلم بشكل جاد أم هو اللهو والهزر…..
أكد لي بأن هذه الرحلة قد فاتتني وأنه علي الانتظار للصعود على الرحلة اللاحقة، خضعت له ولفكرته وسلمته تذكرتي ليطبع لي بطاقة العبور للترانزيت.
ثم توجهت الى ذلك الرتل الطويل عند الموظف الذي يختم على جوازات السفر بالعبور، وعادت الى مخيلتي تلك الايام الغابرة التي كنت أرى فيها ارتالاً طويلة عند شباك المخبز في حلب والانفس التي كانت تكاد تأكل بعضها البعض مللاً من الانتظار وغضباً من اصحاب الواسطات والمحسوبيات الذين كانوا يأخذون ما طاب لهم من خبز دون الوقوف في الرتل، وحدها الانفس كانت مختلفة في طابوري هذا فأنا في دبي ولا مكان للمحسوبيات (على الاقل في العلن) او لأي متجاوز للقانون.
رن هاتفي الجوال وانا واقف في هذا الطابور، نظرت الى شاشته فرأيت اسم محمد الطايع ذلك الصديق العزيز الحلو المعشر، فتجاذبنا معاً لوقت قصير اطراف الحديث كما وتمنا لي عودتاً ميمونة من تلك الجزيرة التي كنت في طريقي اليها.
ختمت موظفة المطار التافهة على جواز سفري معلنةً خروجي من الدولة، فرحت اتسكع في منطقة الترانزيت الواسعة بحثاُ على مكان يسمح فيه التدخين سألت بائعة الذرة الواقفة على احد الزوايا المعتمة فأرشدتني مبتسمةً، فذهبت الى المكان الذي أخبرتني عنه ولبثت فيه بعض الوقت بتدخين تلك السجائر القاتلة والتي على مايبدو لا بد منها…
توجهت بعد انهائي باعاً من السجائر الى السوق الحرة تسكعت فيها طويلاً، لم أرى ما يلفت انتباهي و يُنزف جيبي الجريح، خرجت منها، انتظرت قليلا، حانت لحظة التوجه الى الطائرة.
أعلنت ادارة المطار عبر شاشاتها العديدة موعد صعود الركاب الى الطائرة، تقدمت الى البوابة الخاصة بخروجنا الى الطائرة، صعدت بالحافلة التي لا يشاهدها المرء إلاّ في أرض المطار صعدت فيها، وانطلقت الحافلة الى جانب الطائرة.
كانت الطائرة من تلك الطائرات التي ندر استخدامها منذ زمن، متوسطة الحجم تحوي على مايقارب المئة مقعد، لها مروحة كبيرة على كل جهة، درجها قصير، وارتفاعها بسيط لدرجة اني كنت استطيع ان أمد يدي الى قبطان الرحلة وأصافحه.
تلكأت في الصعود حتى التقط اكبر عدد من الصور للطائرة التي استحوذت على اهتمامي، وعندما صعدت………… وقعت عيني في عينها……….. يا إلهي، الرحمة الرحمة……. فهذا أكثر من أن تتحمل أعصابي الواهنة، و جسدي الضعيف، أو عقلي الشارد.
كانت التي اذهلتني مضيفة الطائرة، بجمالها الفارسي الماجن الذي يأسر القلوب ويلهب المشاعر، لست أدري ما سر جمالها أهي تلك العينين الواضحتين الصافيتين، أم هو أنفها الذي لم يشابهه أنف قبلُ قط، أم خدودها التي لاوصف لها، فعلا كانت تلك المرأة التي لا يمكن وصف جمالها.
وبما أني كنت آخر راكبٍ يصعد الى الطائرة، وبما أنه لم يكن هناك نظام في توزيع المقاعد فقد طلبت مني تلك الحسناء الجلوس في الصف الثاني، وجلست هي أمامي وبجانبها أحد الايرانين الذين لهم علاقة ما بتنظيم الرحلة، أغلق الباب بشكل يدوي، وأعلن الكابتن بلغته الايرانية ترحيبه حسب ما اعتقد مع شرحٍ بسيطٍ للرحلة.
قدمت لنا المضيفة التي اثارتني والمضيفة الاخرى عصير البرتقال و بسكوتاً وقليلا من الفستق الذي تشتهر به ايران، وكم وددت ان اخطف تلك المرأة وآكلها من شدة ما أثارت بداخلي من عواطف جياشة و ناراً حارقة.
لم أكد أنهي ما في جعبتي من مشارب و مآكل، حتى أعلن القبطان بدء الهبوط التدريجي على جزيرة كيش، وبالفعل تم بعدها هبوطنا القاسي نوعاً ما بأرض المطار حتى توقفت الطائرة في نهاية الأمر.
عندما وقفت الطائرة في نهاية الأمر وهم الركاب في النزول من الطائرة، قمت أنا الآخر وترجلت من الكرسي الصغير الحجم واقتربت من باب الطائرة حيث كانت تقف تلك المرأة الجامحة، فرمقتها احدى تلك النظرات الساخنة وشكرتها على حسن الضيافة باللغة الانكليزية، وانصرفت بهدوء.
كانت الساعة تقترب الى الساعة التاسعة مساءً ودخلنا مبنى المطار مُرَحبين بصورةٍ جداريةٍ ضخمة لقائد الثورة الاسلامية الايرانية السيد الإمام الخميني، وعناصر أمن هذه الثورة، بأعينهم النارية ينظرون الى القادمين بصمت.
ومما أثار دهشتي أن موظفي أمن المطار أخذوا يوقفون النسوة اللواتي لا يرتدون الزي الاسلامي، وهن بالطبع لا يرتدونه فهن في أغلب الاحيان من المسيحيات اللواتي لا شأن لهن بهذا الموضوع، أخذوا يوقفوهن ويسلمو لكل منهن حجاباً و معطفا خفيفاً يستر تضاريس أجسادهن، لم آآبه للموضوع كثيراً فقد كان جل همي الانتهاء من هذا الطابور الطويل الممل لوضع ختم الدخول الى الاراضي الايرانية على جواز سفري.
أنهيت إجراءات دخولي كما هو الحال بالنسبة لجميع الركاب وانتظرنا حافلة الشركة السياحية لكي تقلنا الى الفندق لنأخذ قسطاً من الراحة، وبعد وقت ليس بالقصير من الانتظار، وصلت الحافلات الثلاث وصعدنا اليها لتقلنا الى الفندق.
بعد مسيرة عشر او خمسة عشر دقيقة في شوارع الجزيرة الهادئة مصغين الى الاغنية الايرانية التي اختارها السائق لنا والتي تبدو كلمات الاغنية وكأنها تتكلم عن عذاب عاشقٍ على فراق محبوبته، هذا ما خمنته في نفسي بسبب اللحن الرومانسي الحزين في الاغنية، وصلنا الى فندقٍ متواضع يقبع وسط حديقةٍ جميلة، وهناك نزلنا من الحافلات وتوجهنا الى الاستقبال لنكمل اجراءات حجز الغرف، ولكن استجد أمرٌ جديد، فقد طلبت مني الموظفة كما هو الحال مع باقي الزبائن خمسمائة درهم كأمانة مسترجعة عند المغادرة، فنظرت فيها نظرةً محيرةً وقلت لها –وهي التي لا تعرف من الانكليزية سوى القليل- بأنه ليس لدي سوى أربعمائة درهم، وأنه لم يخبرني أحد في مكتبكم في دبي بحاجة وجود هذا المبلغ معي.
جاوبتني بأسف بأن هذه هي قوانين الفندق وأنه لا مناص وأنني لن أنام في هذا الفندق مالم يكن لدي هذا المبلغ، حاولت وجادلت كل الموظفين هناك ولكن ظهر لي بأنهم قليلو ضمير ولم أحاول أن أجادل كثيراً فقد بدا الأمر محسوماً تماماً بالنسبة لهم.
غادرت ذلك الفندق التافه لمكتب قريب يمكنني منه اجراء مكالماتٍ هاتفيةٍ دولية، اتصلت فيها بصديقي أبوسمعو العزيز لأضعه في صورة الوضع الذي أنا فيه، مقللاً من أهمية الوضع وخطورته، فأنا لست آبهاً لمثل هكذا مشكلة على الاطلاق، لانني كنت أعلم بأنها ليلة يتيمة سأقضيها حيث شاء الله وأعود في اليوم التالي لأنام في بيتي في دبي.
أوقفت سيارة اجرة على حافة الطريق وركبت فيها وتكلمت قليلا مع السائق الجاهل الا بما ندر باللغة الانكليزية عن بعض الامور في هذه الجزيرة، لم استفد منه كثيراً ولكنه أوصلني الى مقهىً مطلٍ على شاطئ البحر، كان المقهى مؤلفاً من مبنى صغير لإعداد منتجات المقهى ومن ساحةٍ تحتوي على حوالي خمسة عشرة طاولة لكل منها مظلة، جلست أنا بالقرب من المبنى، وطلبت قدحاً من الشاي الدافئ و علبة سجائر بدلاً من التي انتهت للتو، أثارت فضولي لافتة على باب المقهى كتب فيها أنه، ومثولاً عند القيم الاسلامية فيجب على الرجال ان لا يتعدو اللباس الشرعي وعلى الناس كذلك الامر أن يلتزمو بالحشمة الكاملة، ولا يجب أن يجلس الرجل الغير محرم بجانب اي فتاة اجنبية بالنسبة له (اي لاتمت له بصلة قرابة).
رحت اتأمل جمال المكان وأتأمل رواد المقهى متمنياً لو كان اصدقائي الاحباء معي في هذه السهرة اللطيفة فالجو كان رائعاً وكأني في قرية صلنفة الجبلية القريبة من مدينة اللاذقية الساحلية، تلك القرية التي أمضيت فيها باعاً مهماً من حياتي قبل سفري للعمل في دولة الامارات.
أخرجت من حقيبتي الصغيرة روايةً بوليسيةً من روايات الكاتبة العظيمة أغاثا كريستي، وجلست أتناول سطورها بمتعة غريبة واحتسي قدح الشاي الدافئ واستل بين الفينة والأخرى سيجارةً تدفئ وحدتي الرهيبة.
شارفت الساعة على الساعة الثالثة من تلك الليلة، وبدأ عمال المقهى في لملمة الطاولات وتهيئة المقهى لإغلاقه، فناديت أحدهم وكان أكثرهم سرعةً في التلبية والفهم، وأخبرته بقصتي البائسة مع الفندق التافه، فأقترح عليّ بأن أذهب الى بعض الفنادق الاخرى التي لا تطلب هذا المبلغ الباهظ بالنسبة لتفاهة مستوى الفندق.
رحت أتسكّع في أزقة كيش الضيقة المعتمة، أبحث عن فندقٍ أؤوي اليه هذه الليلة، ولكن وبعد بحث طويل تبين لي بأن الفنادق تغلق أبوابها في الليل في هذه الجزيرة الحالمة!!!!
فذهبت الى مقهىٍ آخر بالقرب من أحد الفنادق، فهمت من حارس المقهى بأن هذا المقهى يفتح صباحاً ومساءً، جلست في أحد الزوايا المظلمة وحاولت جاهداً النوم على ذلك الكرسي ولكن عبثاً حاولت، صرت أدخن بشكل كبير وأشرب الفنجان تلو الآخر من القهوة، واستمع الى الأغاني التي يستمع اليها هؤلاء الرعاع الذين ظلوا يلعبون البليار حتى الصباح.
سطعت شمس يومٍ جديد أذن به بأن يسجل اليوم الفائت في سجلات الذاكرة وسطع معها العمل الذي يجب أن أنجزه، فسارعت الى المكتب الذي يمتهن الهاتف ويجعلها سلعته، وأخذت أتصل بأبوسمعو، لم يجب أبو سمعو، حاولت مراراً وتكراراً ولكنه لم يجب، لاعني الأمر لوهلة فسارعت أجرب هواتف كل أصدقائي في دبي، ولكن عبثاً، لست أدري أهي الصدفة المحضة بأن يكونوا جميعا تائهين في عالم اللامسؤولية أم أنهم قد رموا بأجهزتهم الخلوية في غياهب الجب.
بعد حوالي ساعة كاملة من الإتصال والإنتظار المريب بأن يرد أحد أولئك القابعين في دبي بلا حراك،إتصل أبوسمعو على جهازي الخلوي وكم كانت فرحتي غامرة عندما حصل ذلك، فسارعت الى مكالمته وطلبت منهم أن يرسل لي نسخةً من الفيزا الحقيرة التي تلوع المئات وربما الآلاف للحصول عليها.
على كل حال أعطيت أبوسمعو رقم الفاكس الذي سأنتظر وصول الفاكس عليه، وارتميت في أحد سيارات الأجرة وطلبت منه أن يقلني الى المكان الذي يقبع فيه ذلك الفاكس اللعين، انتظرت كثيرا أمام تلك الموظفة المتعجرفة حتى وصل الفاكس أخيراً بعد زهاء الساعتين من الانتظار الممل والقلق وتحمل حقارة تلك الموظفة البلهاء.
أخذت تلك الورقة من يدها وبالكاد شكرتها شكراً سريعا على تحملها لوجودي بجانبها لمدة ساعتين، وأسرعت الى مكتب حجز الطائرة، وطلبت منها أن تثبت حجزاً لي في أول طائرةٍ تتجه الى دبي، وكانت الطائرة القادمة في الساعة الرابعة عصراً من ذلك اليوم، ثم توجهت مع سيارة الاجرة الى المطار، ليس لي همٌ آنذاك سوى أن اركب تلك الطائرة اللعينة وأعود أدراجي الى دبي.
وعندما جاءت الطائرة وهدأ سري واطمأن بالي بأنني عائدٌ لامحالة –إلاَ أن يشاء الله- وأنا أهم بالصعود الى الطائرة ذاتها، رجوت في نفسي بأن تكون المضيفة ذاتها –التي كانت في الطائرة الاولى- تعمل عليها ولكن ما إن صعدت ووجدت غيرها، شعرت بخيبة الامل تملؤ قلبي وشعرت بألم يملؤ جسدي.
جلست على مقعدي ورحت اتخيل جسد تلك المرأة التي سرقت عقلي قبل فؤادي، رحت أتأمل الصورة التي طبعت في عقلي الى الأبد، وصرت أفكر، هل سألقاك مجدداً يا ملاكي…..؟؟؟
الطائرة الآن تطير في أعالي الأفق وأعلن الكابتن وصولنا الى دبي، أسرعت الخطا حتى أنجزت معاملة دخولي بسرعة قياسية، وخرجت الى بوابة المطار التي تفصلني عن أرض دبي، عبرتها فإذا بي أرى مجدداً تلك السيارة البيضاء الجميلة، وأبو سمعو بداخلها يبتسم لي، وكأن شفتاه تقول لي، مرحبا بعودتك يا صديقي، تبادلنا القبلات والتحيات الحارة، وعدنا نسابق الريح الى المنزل التائه في عمق صحراء الشارقة، عند ساعة المغيب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























